الجمعة، 28 نوفمبر 2014

سرُّ الوصول والإرتقاء


سرُّ الارتقاء                                                                          

----------------
ومن يرد أن يكون من أصحاب هذا الفضل عليه أن يحرص أن يكون له منهج، ويُطبق هذا المنهج،
وهذا المنهج لا يضعه من نفسه، ولكنه يُقدم مشروعه للرسالة،
وإذا أقر الأستاذ المشروع فإنه يذكر له خطوات تنفيذ المنهج، ويأمره بعرض كلِّ شئٍ عليه،
هنا من الجائز أن يعرضها بالحضور بين يدي الأستاذ، ومن الجائز بعد أن يرتقي أن يكون حاله كله حضور،
وذلك إن ارتقى وأصبحت روحه قريبة من الأستاذ - والروح في عالم النور
وإن وصل إلى ذلك فمن الممكن أن يعرض مناماً على الأستاذ، أو يعرض يقظة عليه إذا تنبه أكثر في أي زمان ومكان
وذلك كما كان يفعل الصالحون والمتقون في كل زمان ومكان.
والذي ليس له منهج يمشي عليه - ويمشي على حسب حظه وهواه – فهو مُحب، والمحب درجة عظيمة،
لكن هذه العطاءات يلزمها خصوصيات:
كم جاهل نال علماً من مجالسهم **** أضحـى حليماً عليماً بالإشارات



أين ذلك في القرآن؟
(آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا)
من أين؟ هل علمناه من الكتب؟ لا، ولكن من العليم عزَّ وجلَّ الذي تجلى على صدره بما يريد:
(وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) (65 - الكهف)
وهل الأستاذ صاحب هذا الفتح يجب أن يكون معروفاً ومشهوراً يشار له بالبنان؟
ليس ذلك بشرط، ولذلك لما وجَّه الله سيدنا موسى إلى الخضر عليه السلام هل كان يعلم مكانه؟
كان لا يعرف، فقد قال الله لسيدنا موسى: عليك أن تمشي إلى أن تجد مسَّ الجوع، عندها تجد هذا الرجل،
وفي هذا المكان، مما يعني أن الرجل لم يكن يعرفه أهل زمانه كلهم،
أما الذي يعرفه الكل فهو صاحب الشريعة، فالعالم الشرعي يعرفه الكل،
فيظهر في التليفزيون وعلى صفحات المجلات والصحف، وذلك لأن الناس تريد الشريعة،أما الرجل العالم بالحقيقة لا تريده إلا القلة القليلة، ولا يوجههم إليه إلا المولى،وهذا ما قال فيه الإمام أبو العزائم رضي الله عنه:
ومن طلبتهـمُ عين العنايـة **** يروك بعين أنـــوار السريرة
والرؤية هنا ليست رؤية ظاهرة، إذ يوصلهم الله للرجل بأنوار باطنة
لأن ذلك طُلبة الأفراد والأبدال، وليس طُلبة العبَّاد ولا الزُهَّاد
وإنما كما قلنا طُلبة صنف معين، وهم أهل الفتح، وأول الفتح كما ذكرنا:
(وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا)(65 - الكهف)
أو إشراقات إلهية من باب قول رب البرية:
(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)(282البقرة)
مِن الذي يُعلِّم هنا؟ الله يُعلمه بذاته، كيف؟ لا نستطيع بيان هذا الأمر، ولكن ( ذُق تعرف)فمن أراد أن يعرف عليه أن يدخل من الباب إلى أن يُصبح من الأحباب، ويُفتح له الرحاب، ويخصوه بما خصوا به أولي الألباب،
فينال هذه الهبات ولا يستطيع تفصيلها أو الإشارة إليها إلا للأحباب،
لأن هذا الكلام لا يعقله العقلاء حتى ولو كانوا أعقل العقلاء،
لأن هذا الأمر غيبيُّ من الله،
فمَن الذي يستطيع أن يستوعب كيف يتلقى الإنسان من الله؟!
يستطيع الإنسان المؤهل أن يتذوقها، ولكن لا يستطيع وصفها لغير أهلها
وذلك لأن غير أهلها يريد العلوم من النقل من الكُتب ومن المكتبات وبالسند.

من كتاب شراب أهل الوصل 

المدرسة المحمدية للاخلاق

الأحد، 9 نوفمبر 2014

بين الشريعة والحقيقة


بين الشريعة والحقيقة                                                                 

سؤال:
بعض إخواننا أهل الطريق يعتقدون أن سيدنا الخضر أعلم وأرقى من سيدنا موسى؟
لا .. فسيدنا الخضر بذاته قال لموسى:
(يا موسى أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت وما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر)
والأعلى شأناً عند الله هو صاحب الرسالة والنبوة:
(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (164النساء)
لكن لابد لصاحب الرسالة والنبوة من هذه الهبات وهذه العطاءات،
ولذلك فنحن نقدم دائماً عالم الشريعة،
أما إذا أراد عالم الشريعة أن يكون من أهل الفتح فلا بد له من أهل الحقيقة،
ولذلك فإن كمَّل علماء الشريعة هم الذين تكمَّلوا في علم الحقيقة
مثل الدكتور عبد الحليم محمود .. ومثل الشيخ الدردير
وغيرهم من مشايخ الأزهر الذين تكمَّلوا ظاهراً وباطناً،
ومثلهم الآن الشيخ علي جمعة، فقد تكمَّل في الإفتاء لأنه أخذه ظاهراً وباطناً،
تكمَّل في علم الظاهر في علم الأصول، وتكمَّل في علم الباطن على يد الفحول،
فأصبح يفتي على المذهبين.
إذن فالأساس في الشريعة، وهي تكليف من الله،
والمكلَّف بها هو المُقام من عند الله عزَّ وجلَّ،
لكن لا غنى له عن صاحب الحقيقة،
وأراد الله عزَّ وجلَّ أن يبين في هذه القصة مقام الحبيب صلى الله عليه وسلم
فإن الله ما جمع الشريعة والحقيقة إلاَّ في الحبيب صلى الله عليه وسلم
وذلك لكي يعلم الجميع
فإن سيدنا موسى مع أن الله كلمه تكليماً .. وكان في مقام الكليم
وكان من أولي العزم .. إلا أنه لم يأخذ الحقيقة إلا من رجل من عامة أمته!!
إذن فالوحيد الذي جمع فأوعى هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وذلك لكي نعرف مقامه وفضله ودرجته عند الله عزَّ وجلَّ
فهو وحده صلى الله عليه وسلم الذي جمع الظاهر والباطن

من كتاب شراب أهل الوصل 

الجمعة، 7 نوفمبر 2014

المحب والسالك


المُحبُّ والمحبوب                                                                         

-----------------
إذن فنحن أمام نوعين من المحبين:
نوع منهم يمشي على حسب حظه وهواه، ولكنه يحب هؤلاء القوم، ومن الجائز يوم القيامة أن يكون منهم
ومثل هذا ليس له في الدنيا نصيب في العطاءات الذاتية والفتوحات الوهبية
لأنه لم يُسجل الرسالة التي بها يحصل على الماجستير أو الدكتوراه،
ويظل في الدنيا محب لهؤلاء وفقط،
وهؤلاء القوم يتركونه يمشي على حسب حظه وهواه
لأن مثل هذه الأشياء لابد وأن يطلبها بنفسه، بل ويُلح فيها.
فهل يجوز لأحد من الأساتذة في الجامعة أن يُجبر طالباً أن يسجل رسالة؟ كلا
لأن الذي يريد ذلك هو الذي يبحث عن الأستاذ الذي يُسجل عنده
بل إن الأستاذ يكون بالحجز، إذ أن لكل أستاذ عدد معين من المسجلين
إذن هو الذي يبحث، وإن لم يجد في جامعة القاهرة – مثلاً – يبحث عن الأستاذ الذي يُسجل عنده في الجامعات الأخرى
ولذلك قال الله لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)(186البقرة)
(وإذا): تعني أن الكل لن يسأل، إذ يسأل الكل في الأمور العادية:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)(219البقرة)
وذلك لأنه سؤال شرعي عام
(وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ)(219البقرة)
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى)(222البقرة)
والذي يسأل هنا وفي ذلك الكثير، لكن الأشياء التي بها العطاء والهبات
يقول فيها إذا سألك أحد من المؤهلين لهذا الأمر:
(فَإِنِّي قَرِيبٌ)(186البقرة)
إذن لن يسأل عن ذلك إلا القلة، وهم النوع الثاني
ولذلك قال لنا الإمام أبو العزائم رضي الله عنه في هذا المعنى:
وليس الكـــلُّ مطلـــوباً لهذا **** ولكن خُصَّ لبعض أفراد قليلة
وقد ذكر ذلك ربنا في كتابه حين قال:
(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) - والمؤمنون هنا كثير، لكن منهم - (رِجَالٌ)
- ماذا فعل هؤلاء الرجال؟ - (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)(23الأحزاب)
إذن ليس الكل في هذا الباب، وليس الكل قد صدق العهد مع حضرة الوهاب،
ولكنهم رجال من جملة المؤمنين، وبلا شك فإن جميع المؤمنين مكرمين، لكن هؤلاء لهم إكرام زائد
وذلك لأن هؤلاء لهم فضل زائد عند المتفضل عزَّ وجلَّ.

من كتاب شراب أهل الوصل 

الاثنين، 3 نوفمبر 2014

ما الطريق إلى الله ؟




ما الطريق إلى الله؟ 
وهل حضرة الله له مكانٌ محدد – حاشا لله – يصل إليه الناس فيه؟!! وهل هناك طريق يوصِّل إلى ذلك؟
لا، ولكن الطريق إلى الله يعني الطريق إلى نيل فضل الله، وإلى الدخول في قول الله:
(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء)(4- الجمعة)
وهو الطريق إلى أخذ العطاءات والهبات التي جعلها الله للأتقياء من عباد الله.فقد جعل الله عزَّ وجلَّ النعم قسمين: ظاهرة وباطنة، وقال فيها:(وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)(20- لقمان)
النعم الظاهرة: هي الطعام والماء، والشمس والنجوم والهواء ،
 وكل ما نراه في هذه الحياة،
والنعم الباطنة: أخصها الإيمان، والهداية والعناية، والخشوع والحضور، والخشية والخوف من الله عزَّ وجلَّ
النعم الظاهرة موجودة، والنعم الباطنة مشهودة
ومن أراد أن يتعرض للعطاءات الإلهية الذاتية لا بد وأن يكون من أهل الخصوصية،
فكيف يصل الإنسان إلى هذه المرتبة؟!!!
لكي يصل يجب أن يكون له دليلٌ يقوده للوصول إلى هذه الأحوال المرضية
فالذي يريد أن يكون في الدنيا مُبرَّزاً في باب الثروة، ويكون رجلاً ثرياً ووجيهاً .. ويملك كذا وكذا
وجب عليه أن يبحث عن رجل يقتدي به، ويتدرب على يديه كي يصل إلى هذه الأمور
وكذلك من يريد الوصول إلى فضل الله .. ورضوان الله .. وعطاءات الله الذاتية التي جعلها الله للصالحين وللمتقين
لا بد وأن يكون له دليل أقامه الله عزَّ وجلَّ .. وعيَّنه الأستاذ النبيل صلى الله عليه وسلم
ليدل الحائرين ويأخذ بأيدي السائرين .. ليوصلهم إلى فضل رب العالمين عزَّ وجلَّ
إذن فالطريق إلى الله .. هو الطريق إلى
- الحصول على فضل الله
- والحصول على رحمة الله، والحصول على عطاءات الله
- والحصول على الهبات الذاتية والنورانية التي جهزها الله عزَّ وجلَّ للصالحين
والتي قال الله فيها:
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(39 - ص)
وفي الآية الأخرى:
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(74 - آل عمران)
كل ذلك بالفضل وليس بالأجر
ولو كانت هذه العطاءات تُنال بالأجر لاجتهدنا جميعاً في الأعمال التي توَصل إليها
ولكن ليس هناك أعمال توصل إلى ذلك!!
أما العبادات التي نقوم بها جميعاً فهي سبيل إلى نيل الأجر العظيم من الحسنات والدرجات في الجنات
وليس لها شأن بالفتوحات!!
لأن الفتوحات لها عبادات أخرى بالإضافة إلى العبادات العادية تؤدي إليها
إذ يلزم لتلك الفتوحات تعديل داخلي في الأعمال والعبادات، والفضل العظيم الذي قال الله لنا فيه:
(قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)(58 - يونس)
هو: الذي يتعرض له الإنسان في الدنيا.
وكيفية التعرض .. أن يبحث الإنسان على واحدٍ من أهلها
توسم فيه نيل هذه العطاءات، أو رأى عليه هذه الفتوحات وهذه الهبات .. فيتقرب إليه
ويُعلن بين يديه أنه يريد أن ينال هذه الفتوحات وهذه العطاءات وهذه الهبات
وعندما يذهب إلى هذا الرجل - الذي هو من أهل الفتح - فإنه يعطيه برنامجاً يوصله إلى الفتح الذي يليق به
وهنا يُصبح هذا الأستاذ كالأستاذ المشرف على الرسالة
إذ لابد للطالب الذي سجل هذه الرسالة أن يراجع المشرف، ويعرض كل ما جمعه أو عمله عليه،ودائماً عليه أن يأخذ بتوجيهاته، ويحذف ما يأمره به، ويضيف ما يشير به عليه ويظل على ذلك إلى أن يُزكيه المشرف فتُناقش الرسالة، وتُعرض عليه
والمشرف عندما يزكيه يأتيه الفتح من خالقه وباريه عزَّ وجلَّ!!!!
أما الذي لا يريد أن يُسجل رسالة فهو مُحِبّ
والمُحِبُّ سيكون مع الأحباب يوم العرض والحساب.

من كتاب شراب أهل الوصل