الثلاثاء، 24 فبراير 2015

موانع العطاء


                                                   موانع العطاء
---------------
ما الأشياء والموانع التي تمنع العطاء؟ 
الأمراض التي نراها في مجتمعنا، 
فإذا كان عوام المؤمنين يجب ألا يكون في قلبهم حقد ولا حسد 
فهل يجوز لخاصة الخاصة من المقربين أن يكون في قلبه بعض ذرة من الكبر والحقد والحسد؟!! 
كيف ينتظر هذا مدد الله وعطاء الله ينزل في قلبه؟!!
ألا من يكن في قلبه بعض ذرة ** من الكبر والأحقاد ما هو ذائق
لو أن الإنسان منا مريض فهل يحس بطعم أي طعام أو شراب يتناوله بفمه؟لا !!، بل سيجد طعمه مراً:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد  
وينكر الفم طعم الماء مـن سقــم
وحتى يكون ذوقه سليماً فلا بد أن يكون القلب كله سليماً:
(إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (89- الشعراء) 
وتكلم الله تعالى عن سيدنا إبراهيم فقال:
(إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) 84 - الصافات) 
إذا سلم القلب من الحظوظ والأهواء والشهوات – وهذا جهاد الصالحين والعارفين - فقد فاز:
إذا خلا القلب من وهم وشبهات *** يشاهد الغيب مـسروداً بآيات
يشاهد الغيب فوراً، لأن القلب صفا ووفى، فاللحظة ممن هذا حاله أفضل من آلاف السنين من العابدين:
لحظة بقلـب سليـم رفعـةٌ ورضـا * وألـفُ عـام بلا قلـب كلحظـات
هذا هو جهاد الصالحين الذين يطلبون المناصب العالية عند الله، 
والمراتب الراقية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، 
والعطاءات الخاصة التي يخص بها الله الصالحين من عباد الله، 
ولذلك كيف كانت تربية العارفين للمريدين؟
أول شيء يعطي للمريد روشتة ليزول مرض الكبر، 
فتجد الرجل الذي يدخل مع الصالحين قد يكون من العظماء والوجهاء فيقول له: أنت عليك أن تسقي بالماء،
 وأنت تخدم هؤلاء المريدين، 
وأنت ترفع هذه الفُرش وتنظفها مما علق بها من الغبار .... 
لماذا؟ حتى تنكسر نفسه
فإذا قَبِلَ فيا هناه، وإذا أبت نفسه فما الذي يطلبه من الله؟!
الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه وأرضاه كان بين أحبابهوضرب لهم مثلاً بينما هم جلوس عنده، نزل المطر فقال: 
أين يقف المطر؟ 
هل على رؤوس الجبال أم في الأودية؟ 
قالوا في الأودية، 
قال: كذلك مطر العناية الإلهية لا ينزل إلا في القلوب التي تواضعت لرب البرية عزَّ وجلَّ
فمتى استجاب الله لأحباب رسول الله الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) (123- آل عمران)
لكن عندما أعجبتهم أنفسهم وسرُّوا بها:
(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا) (25-التوبة) 
- إذن مرض العجب يمنع العطاء، 
- مرض الأثرة والأنانية يمنع الهبات، 
- مرض الكبر يحجب عن كل رفيع الدرجات، 
- مرض الحقد والحسد يسد الباب بين العبد وبين مولاه، 
لأن الله عزَّ وجلَّ لا يقبل منه عملاً، لا صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج ما دام يضمر في قلبه شيئا لعباد الله جل في علاه:
(قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) - ثم ماذا؟ - (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى
(14، 15- الأعلى) 
فكان الرجال الصالحون على هذه الوتيرة .. 
إذن فما الواجب علينا؟
أنت عليك نفسك، امتحن نفسك 
فإن وجدت عندها شيئاً من الكبر فعليك أن تهينها وتنزلها وتجاهدها إلى أن تتخلص من مرض الكبر بالكلية، 
فالذي يرى نفسه لا يرى ربه، 
ومن يرى ربه .. يرى أن كل عمل يعمله بتوفيق الموفق وبمعونة المعين وبمدد الحي القيوم
وإذا تخلى عنه طرفة عين أو أقل لا يستطيع أن يقوم بأي عمل، ولا حتى أن يعتصم من أي خطأ أو زلل
ولكن عناية الله وتوفيق الله هي التي تجعل العبد يبلغ مناه
فمن يرى نفسه كيف يرى الله؟!! 
بل إنه سيزهو بنفسه بين خلق الله، يرى أن له شأناً عند الناس، 
ويرى أنه أفضل من فلان وفلان، وقد قيل:
كفى بالمرء شراً أن يرى نفسه خيرا من أحد }
فالمؤمن لا يرى نفسه قط، 
فالشيخ ابن عطاء الله في برنامجه الذي وضعه لصغار السالكين الداخلين إلى طريق العارفين 
قال: الشرط الأول عندنا: ( ادفن نفسك في أرض الخمول تشرق عليك أنوار الوصول
أما إذا كنت تحب الظهور وتود أن تراك الناس، وتتكلم عنك وتكون نجم الفضائيات والإذاعات 
فأنت لا تصلح في طريق الصالحين، 
الذي يريد أن يكون في طريق الصالحين يجعل عمله لا يشعر به إلا مولاه حتى من معه في البيت لا يشعرون بما يفعله لحضرة الله جل في علاه

من كتاب شراب أهل الوصل 

الشريعة والحقيقة بين سيدنا موسى والخضر


        بين الشريعة والحقيقة
سؤال: 
بعض إخواننا أهل الطريق يعتقدون أن سيدنا الخضر أعلم وأرقى من سيدنا موسى؟
لا .. فسيدنا الخضر بذاته قال لموسى:
(يا موسى أنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا وأنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت وما علمي وعلمك في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر)
والأعلى شأناً عند الله هو صاحب الرسالة والنبوة:
(وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) 
(164النساء)
لكن لابد لصاحب الرسالة والنبوة من هذه الهبات وهذه العطاءات، 
ولذلك فنحن نقدم دائماً عالم الشريعة، 
أما إذا أراد عالم الشريعة أن يكون من أهل الفتح فلا بد له من أهل الحقيقة،
ولذلك فإن كمَّل علماء الشريعة هم الذين تكمَّلوا في علم الحقيقة 
مثل الدكتور عبد الحليم محمود .. ومثل الشيخ الدردير 
وغيرهم من مشايخ الأزهر الذين تكمَّلوا ظاهراً وباطناً، 
ومثلهم الآن الشيخ علي جمعة، فقد تكمَّل في الإفتاء لأنه أخذه ظاهراً وباطناً،
تكمَّل في علم الظاهر في علم الأصول، وتكمَّل في علم الباطن على يد الفحول،
فأصبح يفتي على المذهبين.
إذن فالأساس في الشريعة، وهي تكليف من الله، 
والمكلَّف بها هو المُقام من عند الله عزَّ وجلَّ، 
لكن لا غنى له عن صاحب الحقيقة، 
وأراد الله عزَّ وجلَّ أن يبين في هذه القصة مقام الحبيب صلى الله عليه وسلم 
فإن الله ما جمع الشريعة والحقيقة إلاَّ في الحبيب صلى الله عليه وسلم
وذلك لكي يعلم الجميع
فإن سيدنا موسى مع أن الله كلمه تكليماً .. وكان في مقام الكليم 
وكان من أولي العزم .. إلا أنه لم يأخذ الحقيقة إلا من رجل من عامة أمته!!
إذن فالوحيد الذي جمع فأوعى هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم 
وذلك لكي نعرف مقامه وفضله ودرجته عند الله عزَّ وجلَّ
فهو وحده صلى الله عليه وسلم الذي جمع الظاهر والباطن



من كتاب شراب أهل الوصل