
فنبوة رسول الله ﷺ كانت قبل خلق الخلق أجمعين ، كان نبياً في البدء ، ثم خلق الله الأنبياء ، وبعدما خلق الأنبياء خلق أرواحنا ، وأرواح المؤمنين ، وبنى آدم ، والجنِّ ، والملائكة ، وغيرهم إلى قيام الساعة .

وبعدما خلق الأرواح كلها ، عمل اجتماعٍاً عاماً لجميع الكائنات ، جمع الكل ونحن كنَّا حاضرين كذلك ، ولكن حاضرين بالأرواح ، وفيه قال ﷺ :

( إنَّ اللهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آَدَمَ بِنُعْمَانَ يَوْمَ عَرَفَة ، وَ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَةٍ زَرَاهَا ، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيهِ كَالـذَّر ، ِثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلَهَا قَالَ : ألَسْتُ بِرَبَِّكُمْ ! قَالُوا بَلَى )

(1)
ولذلك لما سألوا سيدنا علىّ : أتذكر يوم الميثاق (العهد) ؟ ، .. فقال :

" نعم وأعرف من كان فيه عن يمينى ومن كان فيه عن شمالى "

فجمع الأرواح كلها .... ، وعرف كل واحد منا ماذا سيحدث له حتى قيام الساعة ؟.. فأنت نزلت هنا وقد عرفت كل شيء ..!!.. ، ولكن الهيكل والحواس حجباك عن هذه المعرفة ..!!.. ، وإن كنت تشعر بها فتسمع كلام ترتاح له .. ، وهذا لأنك ارتحت له هناك .. ، وتسمع كلام لا ترتاح له ... ، وأيضاً لأنك لم ترتح له هناك ..!!.. ،. فقد تقابل إنساناً لأول مرة وتحس أنك أحببته ..!!.. ، وأحياناً تقابل إنساناً لأول مرة وتحس أنك غير مرتاح لرؤيته ..!!.. .

فالذي كان في مواجهتك هناك ترتاح له هنا ، والذي كان معرضاً عنك هناك تجد نفسك غير مرتاح للقائه هنا ، وهذا ما قال فيه رسول الله ﷺ :

(الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَف ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَف )

(2)

إذن فحقيقة التعارف من هناك ، وتطبيقه العملى هنا ، وقد جمعنا كلنا وقال تعالى : ( ألست بربكم ) ؟، قلنا : بلى .،. من نبيكم ؟ قلنا رسول الله ﷺ ، وعرفنا ما علينا له سبحانه من واجبات بالتفصيل ، ثم سجل ذلك كله في كتاب ، وطلب من كل فرد منا أن يوقع بالموافقة، ثم أتى بحجر من الجنة ووضع هذا الكتاب في قلب الحجر .

ولما نزل آدم من الجنة ، أنزلت الملائكة له الحجر ، وأمرته بوضعه في ركن الكعبة ، حتى أن كل من يذهب للحج يلتقط له الحجر صورة بأنه وفي بالعهد الذي أخذه على نفسه هناك .
وهذا الكتاب مكتوب فيه :

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ )

وكل الأسماء موجودة:

(مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ )

(172الاعراف )

وهذا تحذير ...!!...: فكتب الله الأسماء كلها على حسب إقرارهم واعترافهم بالربوبية ، وقال : هؤلاء إلى الجنة ولاأبالى ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالى ، فأصبح من ذلك اليوم فريق في الجنة وفريق في السعير ، وفي ذلك يقول ﷺ :

( إنَّ اللهَ أَخَذَ ذُرِّيَةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ ثُمَّ أشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفَسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ ! قَالُوا بَلَى ، ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفِّهِ فَقَالَ : هَؤُلاءِ إلَى الجَنَّةِ وَ لا أُبَالِى ، وَ هَؤُلاء إلَى النَّارِ ، فَأَهْلُ الجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ ، وَ أَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعمَلِ أهْلِ النَّار )

(3)
ولذلك فإن الرسول في الإسراء والمعراج :

وجد سيدنا آدم في السماء الأولى ينظر عن يمينه ، فيجد خلائق كثيرين فيبتسم ، وينظر عن شماله فيلقى خلائق ليس لها عدد فيبكى ، جهة اليمين يضحك ، وجهة الشمال يبكى – فسأل سيدنا جبريل .:

(.مَا هَذَا يَا أَخِي يَا جِبْرِيل ؟ ، فَقَالَ : هَذَا آَدَمُ ، وَ هَذِهِ نِسَمُ أَرْوَاحِ بَنِيهِ ، فَأمَّا الَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ ؛ فَأهْلُ الجَنَّةِ ...، فَإذَا نَظَرَ إليْهِمْ فَرِحَ فَضَحِكَ ، وَ أَمَّا الَّذِينَ عَنْ شِمَالِهِ ؛ فَأَهْلُ النَّارِ ، فَإِذَا نَظَرَ إلَيْهِمْ حَزِنَ فَبَكَى )

(4)

وهذا يعنى أن صورنا موجودة في الذين عن يمين آدم إن شاء الله ، ويعنى أيضاً أن ذلك تم منذ اجتماع الأرواح بحضرة الكريم الفتاح ، وهو ما نسمِّيه "يوم الميثاق" ، أو يوم "ألست بربكم" ، وهو اليوم الذي أخذنا فيه العهد مع الله ، وأطلعنا فيه عزّوجلعلى كل شيء فلم يترك صغيرة ولا كبيرة ، وفي هذا اليوم أخذ الله العهد علينا أننا إذا جئنا إلى هذه الحياة :

نعبده ونوحده ، ونشكره ، ونذكره .

ونقوم لنبيه ﷺ ناصرين ، ومعينين ، ومؤيدين .
--------------------------------------------

(1) رواه أحمد والنسائى والحاكم والبيهقى في الأسماء عن ابن عباس.

(2) رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضى الله عنه .

(3) رواه البزار والطبرانى وابن مردويه والبيهقى في الأسماء عن هشام ابن حكيم بن حزام .

(4) رواه الشيخان عن أنس رضى الله عنه .
---------------------------------------------

{حديث الحقائق عن قدر سيد الخلائق}


لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبو زيد


إمام الجمعية العامة للدعوة الى الله
=========================
تعليقات
إرسال تعليق