الأحد، 21 ديسمبر 2014

ميلاد رسول الله الجسمانى والروحانى والنورانى

نحن في هذا اليوم يا إخواني عندما نحتفل بميلاد سيدنا رسول الله صل الله عليه وسلمفي الحقيقة نحتفل بميلاد حلقة واحدة من حلقات سيِّد الأنبياء صل الله عليه وسلم
لأنه له ميلاد نوراني وميلاد روحاني وميلاد جسماني
فنحن نحتفل الآن بالميلاد الجسماني
لكن الميلاد النوراني احتفل به الله مع رسل الله وأثبت ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ
والميلاد الروحاني احتفى به الله مع عمار السموات من ملائكة الله وأيضًا أثبت ذلك في كتاب الله عزَّ وجلَّ 
أما الميلاد الجسماني فهو الذي يحتفل به كلَّ عام جماعة المسلمين والمؤمنين

ما السرُّ في تعدد هذه الحقائق؟

لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اختُصَّ بأنه رسولُ المرسلين
ورسول الملائكة، ورسول الإنس ورسول الجن، ورسول كلِّ كائن من كائنات الله عزَّ وجلَّ العلوية أو السفلية العاقلة، التي تعقل عن الله كلامه، وتهتدي إليه سبحانه وتعالىوتتعبد إليه وتشكره على جميع إنعامه: 
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (28سبأ). 
فهو للكل!! أما الأنبياء السابقون فكل واحد منهم لجماعته، أو لأهل بلدته، أو لقومه الذي نشأ فيهم
حتى أنه كان يبعث في الزمن الواحد أكثر من نبيٍّ، فواحد في الشام وواحد في فلسطين
فمثلاً: كان إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل كلُّهم في وقت واحد، وكلُّهم أنبياء
وكان شعيب وموسى وهارون ويوشع بن نون كلُّهم أنبياء، وكلُّهم في وقت واحد
لكن كل واحد منهم مرسل لقومه فقط، أو للجماعة التي خصَّه بها الله عزَّ وجلَّ. 

أما الذي أرسل للجميع فهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿كَافَّةً﴾ 
يعني عامة للناس جميعاً - من قبل القبل، إلى بعد البعد
وهو رسول المرسلين ونبيُّ النبيين صلوات الله وسلامه عليه، فكان له ثلاث حضرات: 
الحضرة الأحمدية، والحضرة المحمودية، والحضرة المحمدية.

الحضرة الأحمدية
**************
فأما الحضرة الأحمدية: فهي الحضرة التي كان يواجه بها الأنبياء والرسل السابقين، ومن أجل ذلك ذكروها:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (6الصف)
فالذي عرفوه منه صلى الله عليه وسلم الحضرة الأحمدية
وهي الحضرة النورانية التي ليس فيها جسمانية، وليس فيها هيكلية، وليس فيها من العناصر الأرضية شيء
بل نُورٌ على نُور، نُور الله عزَّ وجلَّ على نُور الحبيب صلى الله عليه وسلم.
فالأنبياء والمرسلون كانوا يستمدون من الحضرة النورانية الصافية، لأن أرواحهم صافية على الدوام،
ولا يحتاجون - مثلنا - لواحد يجلسون أمامه، ويوجهون نظرهم إليه، وينصتون بسمعهم إليه
لأنهم كانوا في صفاء الصفاء وفي بهاء البهاء، ولذلك كان لا يغيب عنهم نور سيِّد الأنبياء صلى الله عليه وسلم
منذ رأتهم عيون أبصارهم في يوم الميثاق، هم لا يغيبون عنه، بل دائماً يشتاقون إليه
حتى أكمل الله عليهم المِنَّة، وأتم عليهم النِّعمة، وأرسلهم وبعثهم جميعاً بعد مجيء الصورة المحمدية الكاملة
ليجددوا البيعة على حضرته صلوات الله وسلامه عليه في بيت المقدس - كما تعلمونمن أجل أن يحظوا بالشرفين، ويأخذوا من الحضرتين
لكن نور رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يغيب عنهم طرفة عين.
هذه الحضرة الأحمدية النورانية التي يسأل فيها سيدنا جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له:
{ما أول شيء خلقه الله يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: خَلَقَ نُورَ نَبِيِّكَ يَا جَابِر}
(رواه عبد الرازق في مسنده عن جابر رضي الله عنه)
وهذه كانت الحضرة الأولى،
حضرة الأنوار لأهل الأنوار.

الحضرة النورانية

أما حضرة الملائكة فإن الله عزَّ وجلَّ تَجَلَّى لهم بنُورِ حبيبه ومصطفاه في هيكل آدم عليه السلام
فكان أدم الشاشة التي انعكست عليها أنوار النبيِّ الخاتم، ليستطيع ملائكة الله عزَّ وجلَّ أن يروه صلى الله عليه وسلم 
على حسب قدراتهم، وعلى حسب سعة أنوارهم، وعلى حسب نورانية وشفافية ذواتهم الروحانية
لأن نُورَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أَحَدٌ أن يراه
إلا إذا أعطاه الله عزَّ وجلَّ قوة من عنده به يراه
لكنه بذاته لا يستطيع أحد أن يراه صلوات الله وسلامه عليه.

الحضرة الأكملية

ونحن والحمد لله أكرمنا الله بالحضرة الكاملة، الحضرة المحمدية الكاملة،
وجعلنا الله ببركة هذه الحضرة لنا من الفضل، ولنا من الهناء، ولنا من الخصوصيات
ما به ميَّزنا الله عن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة وأتم السلام.
فعندما ننظر إلى لوحة الأنبياء في القرآن - التي فيها تشريفهم بذات النبيِّ العدنان - واللوحة التي لنا في القرآن،
نجد تقارباً كبيراً جداً بين اللوحتين في الفضل والإكرام والإنعام من الله عزَّ وجلَّ.
لوحة النبيين:
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ
قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ
﴾ (81آل عمران)
هذه لوحة الأنبياء
أخذ الله عليهم العهد أن يؤمنوا به، ويتبعوه، وينصروه، ويؤازروه، ويساعدوه صلوات الله وسلامه عليه
وحذرهم بعد ذلك:
﴿فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (82آل عمران)
أي: حذاري لأي واحد منكم أن يغيِّر هذا العهد أو يبدِّله.
أما لوحتنا:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا
وبعد ذلك:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

(8-10الفتح).
فأخذ علينا العهد أن نؤمن به: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ
يعني: تساعدوه وتعاونوه، وتعاضدوه وتناصروه، على تبليغ رسالة الله عزَّ وجلَّ،
﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، تعظموه وتبجلوه وتكرموه، لأن هذا أمر مِنْ الله عزَّ وجلَّ.
وهذا العهد هو نفس العهد، لأن الذي بايع رسول الله فإنما بايع الله عزَّ وجلَّ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ﴾، لم يقل كأنما يبايعون الله، بل قال: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾،
واليد التي كانت فوق أيديهم كانت يَدُ من؟ يد الله مع أن اليد التي كانت فوق أيديهم يَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.
إذن نفس الخصائص التي هنا هي نفس الخصائص التي هنا
وهذا يكشف لنا عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له نواب سابقون، وله نواب لاحقون،
وهو صلى الله عليه وسلم رسول الأولين كما أنه رسول الآخرين
ورسول السابقين كما أنه رسول اللاحقين،
ونبيُّ المؤمنين والمسلمين، وأيضًا نبيُّ الملائكة والمقربين
فهو نبيُّ الكل صلوات الله وسلامه عليه.
وإن شئت قل هو كالشمس، نحن الآن في الليل وجماعة عندهم الآن النهار،
فنحن قبل بعثته كنا في الليل وكان الأنبياء في نهار النبيِّ صلوات الله وسلامه عليه،
ولما أشرقت علينا شمس النبيِّ المختار صرنا في نهار الأنوار إلى يوم القرار
حتى أننا - كما يقول الواحد القهار - نقول يوم القيامة:
﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (8التحريم)
فنحن كلُّنا في النور، ولكن نريد أن يتمِّم الله لنا هذا النور
نحن كنا في نور المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام صلوات الله وسلامه عليه
الذي أريد أن أقوله لإخواني
أننا في هذا اليوم الذي نحن فيه الآن نحتفل بيوم ميلاد الحقيقة المحمدية
وهذه التي بها كمال المعاني الروحانية، وتمام المقامات الإلهية، وتمام الفضائل الربانية
التي أنزلها الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات
فإن الفضل كان يخرج من كنوز فضل الله بحساب
حتى ظَهَرَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبح الفضل من عند الله بغير حساب: 
﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (39ص).

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2014

ورثة النور


ورثة النور                                                 

------------
وهناك ورثة النور ......
= منهم من يرث الرؤيا الصادقة ... ومنهم من يرث الفراسة:
اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ }
(سنن الترمذي والطبراني عن أبي سعيد الخدري)
لا ينظر بهاتين العينين فقط .. وإنما ينظر بنور الله الذي آتاه الله له ميراثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
= ومنهم من يرث علوم المكاشفة ... والمكاشفة لا بد لها من نور،
- منهم من يُكاشف بما في مملكته ...... ومنهم من يُكاشف بما في صدور غيره،
- ومنهم من يُكاشف بالمعاني العلية التي استودعها الله عزَّ وجلَّ القرآن
ولا يبيحها إلا لأهل الخصوصية ويقول فيها في كتابه:
(أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ) (17هود)
أي: الذي على بينة ويتلو القرآن وهو مشاهد لأسرار القرآن، 
هل يستوي مع الذي يتلو ولا يشاهد إلا حروف القرآن؟!
فهذا ميراث النور الإلهي الذي اختص به حضرة النبي،
أعطاه الله عزَّ وجلَّ للورثة الذين ورثوا حضرة النبي صلى الله عليه وسلم،
- ومنهم من يُكاشفه الله عزَّ وجلَّ بعالم الملكوت ....
- ومنهم من يُكاشفه الله بالأسماء والصفات الربانية،
- ومنهم من يُكاشفه الله بـ (حَضَرَاتِ) ذاته العلية ....
- ومنهم من يُكاشفه الله عزَّ وجلَّ بألواح الأقدار،
- ومنهم من يكاشفه الله بخزائن الأسرار، ......
مكاشفات لا عدَّ لها ولا حدَّ لها تحتاج إلى النور.

الخميس، 11 ديسمبر 2014

نصيب من ميراث رسول الله صل الله عليه وسلم


هَدْي الأئمة الوارثين                                                                 

============
إذن من أراد أن يكون له نصيب من ميراث رسول الله لا بد أن يمشى على هداه
ويكون له نصيب في إبلاغ شرع الله لمن حوله من عباد الله
ليكون نائباً عن حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لكن لو تأسى برسول الله وأغلق على نفسه الباب وتفرغ للعبادة،
هل هذا مطلوب في الأمة المحمدية؟!
مَن سيُفَتح العقول؟! من سيُبصر للمسلمين؟! من سيبين للموحدين؟!!
لا بد أن يكون لك دور!!
قد يقول قائل: كيف يكون لى دور وأنا لم أتعلم وأحصل على درجات علمية
فنقول له:
أصحاب رسول الله ما الذي حصلوا عليه؟!!
هل كان عندهم مكتبات فيها مراجع؟!!
لم يكن عندهم إلا كتاب الله،
ويُفيض الله على قلوبهم على قدر حاجة من حولهم من عباد الله:
(وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ)
(282البقرة)
مادام الإنسان يُعلمه الله يستبشر،
وإن لم يكن الله سيعلمه مباشرة يُرسل له عبداً من عباد الله يُعلمه
مادام راغباً في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحكيم محمد بن على الترمذى رضي الله عنه
وهو عنده سبع سنين كان يحفظ القرآن في الكُتَّاب، ومعه مجموعة من زملائه
واتفقوا أن يخرجوا لطلب العلم من بلدة قريبة من بلدتهم ترمذ تسمى نيسابور كانت مشهورة بالعلم والعلماء
وكان وحيد أمه، وأبوه متوفي، فذهب ليستأذن أمه، فقالت: لمن تتركنا يا محمد؟!
فحزن لأن عنده رغبة شديدة في تحصيل العلم، ليكون عالماً يُبلغ رسالة رسول الله.
ومن شدة حزنه كره أن يجلس مع الخلق وذهب إلى المقابر حزيناً على حاله
وخاصة بعد سفر إخوانه،
وفي المقابر إذا برجل يأتي إليه ويقول: يا محمد تعال أعلمك، فجلس إليه،
فقال: تعال كل يوم في هذا الميعاد وأنا أعلمك، واستمر معه على هذا الحال سبع سنوات،
ثم قال له - بعد أن أتم تعليمه: تعلم من أنا؟ ولماذا أتيت إليك؟ قال: لا،
قال: أنا الخضر وقد أتيت لك لبِرِّك بأمك!!
بسبب برِّه بأمه، ورغبته الشديدة في العلم، هيأ الله له من يُعلمه
حتي صار من العلماء الأفذاذ الذين ملئوا الدنيا بالعلوم الإلهية،
حتي قالوا: إن أول من تكلم في علوم الولاية في الأمة المحمدية
هو الحكيم الترمذي رضي الله عنه وأرضاه.
إذن لا بد أن يكون عند الإنسان عزيمة لتبليغ رسالة رسول الله،
فإذا وجد العزيمة والإرادة فإن الله يؤيده.
تبليغ الرسالة يحتاج إلى علم فيُعلمه الله،
وقد يحتاج في تبليغ الرسالة إلى أمر خارق للعادة ليُقنع إنسان
فيؤيده الله بالكرامة، ليس من أجل الكرامة
ولكن ليقتنع هذا الإنسان الذي يريد أن يُقربه إلى حضرة الرحمن عزَّ وجلَّ
حتي يصل إلى مقام يقول فيه الله:
(لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ)
(22الشورى).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم  

من كتاب شراب أهل الوصل 
--------------

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2014

الوجوه الناضرة


وجوه يومئذ ناضرة                                          

-----------------
سؤال: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (22، 23 القيامة) نرجو البيان؟
الجواب:
قل فيها ما شئت، فمعاني القرآن واسعة، لأن كلام الله عزَّ وجلَّ هو الصالح لجميع الوجهات ولجميع الغايات،
لكن المهم ألا يُقلب هذه الآيات إلا أهل العنايات، فلا ينفع أن يقلبها أهل العقول
ولا أهل النقول مهما كانوا فحول في هذا الباب،
لا يقلبها إلا أهل العنايات لأنها فتوحات،
ولذلك كان الصالحون في كل آية يُعطون بها توجيهاً لأهل البداية،
بمعنى أن كل واحد يأخذ من الآية توجيهاً له،
وذلك بحسب الفتح الآتي له من الله عزَّ وجلَّ،
ومن يريد أن يسجل رسالته فإن أول شروط التسجيل أن يأخذ دبلومة في تزكية النفس والورع،فإذا زكَّى الإنسان نفسه ثم تحلَّى بالورع فإن الله عزَّ وجلَّ يقبله،
والقائم مقام الحبيب صلى الله عليه وسلم يوجهه ويقيمه على المحجة البيضاء
ويعطيه الشفاء الذي ينال به ما عند الله عزَّ وجلَّ من عظيم الفضل والخير والجزاء.
إذن لابد من تزكية النفس أولاً،
وتزكية النفس تعني طهرتها، أي: أطهرها من الرعونة، ومن صفات الجاهلية ..
من الحقد ومن الحسد، ومن النفاق ومن الرياء، ومن السمعة ومن حب الظهور،
وذلك حتى يصير الإنسان من المخلِصين، فتكون الدرجة التي بعدها أن ينتقل من المخلِصين إلى المـُخلَصين،
فلا يعمل عملاً ظاهراً أو باطناً إلا لله، ولا يرجو من وراءِه إلا رضاه،
ولا يبالي بالخلق - أقبلوا أم أدبروا - لأنه يعمل العمل لله،
مع قيامه بأكمل الحقوق التي كلَّفه بها الحبيب نحو خلق الله،
أي: يقوم لهم بكافة الحقوق ولا ينتظر منهم عطاء، ولا يطلب منهم جزاء لأيِّّ عمل عمله لهم،وإنما يعمل العمل لله، ويكون تعامله دائماً مع مولاه،
ولا ينتظر خيراً ولا برًّا ... ولا عطاءاً ولا فضلاً ... إلا من حضرة الله جل في علاه.
وبعد دبلومة تزكية النفس، وعلامة التزكية أن يصل الإنسان إلى مقام الورع،
وهو – كما أشرنا سابقاً – أن يترك الإنسان كل الشبهات، ويقف على الأمور المحكمات
لكى يدخل على فضل الله عزَّ وجلَّ، وعلى عطاء الله،
وأول الورع هو الورع عن الكلام الذي لا يُرضي الملك العلام،
ولذلك فإن أول أمر يجب أن ينجح فيه المريد هو: العمل بقول الحبيب:
لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ }
(البخاري ومسلم وسنن الترمذي عن أنس رضي الله عنه )
وقوله صلى الله عليه وسلم:
مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ }
(الترمذي وابن ماجة وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه)
فلا ينشغل بأخبار ولا بأحوال الناس ، ولا بمشاكلهم ولا بمشاغلهم،
وإنما يكون شغله كله مع نفسه وذلك حتى يزول لبسه،
ويُقدم على الفتح مع أهل الفتح،
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن نكون منهم أجمعين.

من كتاب شراب أهل الوصل