الأحد، 27 ديسمبر 2015

مداخل النفس ومواطن تسويلها


                     النفس تدخل أولاً للمؤمن العادي من باب الشهوات، 
المأكل والمشرب والملبس والنساء ... وغيرهم من الشهوات، 
إذا نجا الإنسان من هذه المرحلة لا تتركه النفس، بل تدخل له من باب آخر مثل حب الظهور، فتقول له: أنت يجب أن يكون لك شأن عند الناس، ويجب على الناس أن تعظمك وتكبرك، وإذا لم تقم الناس بهذا نحوه يحزن ويتضايق، 
ويجب أن تشعر بالزهو وبالفخر وتعجب بنفسك لأنك قلت خطبة عظيمة ودرس عظيم
هذا إذا كان عالم، وإذا كان صاحب صوت يقرأ قرآن أو ينشد، فتشعره نفسه بالزهو والعجب وأن تلاوته هذه لم يتلوها أحد من قبل .. مع أن هذا من توفيق الله عزَّ وجلَّ، 
مَن الذي يمسك بأحباله الصوتيه؟ 
هل فينا من يستطيع أن يمسك بهذه الأحبال أو يشغلها؟ أبداً، إلا إذا شغلها الرحمن عزَّ وجلَّ فهو الذي يجعل الصوت عالياً أو يخفضه، وهو الذي يُحَلِّيه.
لكن النَّفْسَ تجعله يزهو ويشعر بالعجب، 
فإذا تكلم مع أحد يتكلم بتعالي وبكبرياء، لأنه رأى نفسه، 
والذي يرى نفسه أدخل نفسه في قبره، لأنه يبتعد عن فضل الله عزَّ وجلَّ، 
لذلك العلماء قالوا لنا: (هناك مواقف في القرآن يجب أن ننتبه لها)، إياك أن تقول:
أنا كذا، أنا ابن فلان، أنا من عائلة فلان، لأن من قال أنا - وهو إبليس - قال له الله عزَّ وجلَّ:(اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا) (18الأعراف) 
وهو الذي لم يفعل أي معصية أو ذنب، بل إنه عَبد الله اثنين وسبعين ألف سنة، 
وقد ورد في الأثر: (أنه لا يوجد موضع أربع أصابع في السموات إلا ولإبليس فيها سجدة لله) لكن عندما أمره الله بالسجود لآدم قال:
(أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ) (12- الأعراف)
فأخرجه الله من الجنة، لذا يجب أن تقول لنفسك: 
(إذا كان إبليس بعد كل هذه العبادات طُرِدَ من الجنة بذنب
فكيف أطمع في الجنة وأنا كل يوم لي عشرات الذنوب؟!!!!)
إذن ماذا أفعل؟ أداوم على التوبة والأوبة لحضرة علام الغيوب عزَّ وجلَّ، 
إذا أردت أن تكون محبوباً لله وتنال رضاه، لا بد أن تسارع إلى التوبة إلى الله جل في علاه:(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (31- النور)
ربما شخص يشعر في داخله أنه شيخ كبير، لكنه ليس معه مريدين أو تلاميذ
ويرى من حوله لديه مريدين وتلاميذ، 
هذا هو المرض الإبليسي الذي يؤدي إلى الكبر، 
ولو تكبر الإنسان على الخلق يحرم من كل عطاءات الحق عزَّ وجلَّ، 
قال صلى الله عليه وسلم:
لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ }
(صحيح مسلم وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) وقال أيضاً:{ وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ }
(صحيح مسلم وسنن الترمذي ومسند الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه)
والإنسان الذي يريد أن ينجو من هذه المرحلة لا يتكلم عن نفسه أبداً، 
ستحاول نفسه أن تضحك عليه وتقول له: 
يجب أن تحكي لهم عن نفسك كى تشجع المريدين، 
هذا من دسائس النفس!!!! هل رأيتم أحداً من الصالحين يتحدث عن نفسه؟ لا، 
إذا تكلم عنها يشينها فقط،، لكن يتكلم عن ربِّه، وعن نبيِّه صلى الله عليه وسلم
لأنك تريد من الناس أن تسير خلف رسول الله، ورسول الله يريد من الناس أن تسير لله، فإذا كنت منتبهاً لنفسي وحريصاً عليها أقول: 
هذا من رسول الله، وهذا هو طريقه، وهذا هو باب الله قف عليه، ليس معنا إلا الإرشاد والتوجيه لكن العطاءات والفيوضات والتنزلات والهبات هذه كلها ملك الله، 
أو يعطيها لمن يسلمها للخلق نيابة عن حضرته وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (39ص)

-------------منقول من كتاب : شراب أهل الوصل لفضيلة الشيخ فوزى محمد أبوزيد






-----------

الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

وسعة الدين


                                                                    وُسْعَةُ الدِّين

-----------
وهذه تقتضي أن نعلم أن دين الله عزَّ وجلَّ الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم واسع، 
يسع الناس جميعاً، في زمانه وبعد زمانه، في كل الأماكن، وفي كل الدول، نساءً ورجالاً، صغاراً وشيوخاً .... 
يسع الجميع إلى يوم القيامة، فلا يوجد من يستطيع أن ينفذ كل ما جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، 
أنا أنفذ جانب من هذه الجوانب لكن لا أستطيع أن أنفذ كل الجوانب !!
لكن المشكلة أين تقع؟
أنا أخذت جانباً من جوانب رسول الله، وأخي أخذ جانباً آخر من عمل رسول الله، وأخي الثالث أخذ عملاً ثالث من أعمال رسول الله، 
لكن المشكلة التي جدت في هذا الزمان هي العَصَـــــبِيَّة !!!
فكل إنسان يعتقد أن رأيه هو الصواب، ورأى إخوانه الآخرين هو الخطأ!!!! لِمَ يا أخي؟!!!!
ما دام هذا وارد عن رسول الله، وذاك وارد عن رسول الله - وأنت أخذت رأياً - فقل هذه وجهة نظري، 
أو هذا الرأى الذي أرتضيه، أو هذا الرأى الذي أميل إليه، 
لكن لا تفرض رأيك على الآخرين، 
اعرض رأيك لكن لا تفرض ... لأن كل إنسان له ما يلائمه ويلائم قدراته وطاقاته من شرع الله عزَّ وجلَّ.
نضرب لذلك مثالاً:
الرسول صلى الله عليه وسلم في هيئة الوقوف للصلاة، وهى هيئة وأمر لا يجب أن نختلف فيه أبداً، 
كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يضع يده اليمنى على كوع يده اليسرى على قلبه، 
وأحياناً يضع يده اليمنى على كوع يده اليسرى على سُرَّته، 
وأحياناً كان يسبل يديه، 
هل تستطيع أن تقوم بكل هذه الحركات في صلاة واحدة؟ لا ....
الأئمة الأعلام وثَّقوا الروايات التي روت هذه الحالات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، 
وكل رجل منهم استحسن هيئة وجعلها قائمة في هيئة الصلاة التي بحثها ودرسها وأبانها في فقهه للناس:
- الإمام مالك مذهبه منتشر في بلاد الصعيد بمصر وفى بلاد المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب وليبيا 
فمعظمهم يتبع المذهب المالكي، 
اختار الإمام مالك إسدال اليدين في الصلاة، أى أن الإنسان يقف وذراعيه بجواره.
- والإمام الشافعي ينتشر مذهبه في الوجه البحرى في مصر، 
اختار الإمام الشافعي أن يضع الإنسان يده اليمنى على كوع يده اليسرى على قلبه، 
هو اختار هذه الهيئة وارتضاها.
- والإمام أبوحنيفة - ومعظم سكان المدن كانوا حنيفيه لأن الدولة العثمانية كانت تتخذ المذهب الحنفي مذهباً رسمياً لها، 
الإمام أبو حنيفة يضع يده اليمنى على كوع يده اليسرى على سُرَّته، 
والذي يصلي بأى هيئة من هذه الهيئات الثلاث هل تصح صلاته أم لا تصح؟ 
تصح لأنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أمراض الأمة وبصيرة النبوة

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

صحوة أخلاقية


نحن في حاجة إلى صحوة أخلاقية، فالحمد لله كلنا يؤدي العبادات،    لكن نحتاج إلى صحوة أخلاقية
تطابق فيها أخلاقنا أخلاق كتاب الله وأخلاق                  حبيب الله ومصطفاه، حتى نكون محسنين إلى هذا الدين،                 ونحسن عرضه على العالم أجمع. 
فإننا نعرض الإسلام على غيرنا بأخلاقنا، وليس بصلاتنا وصيامنا وعباداتنا، 
فصلاتنا وصيامنا وعباداتنا بيننا وبين الله، لكن الخلق ينظرون إلينا الآن، 
فقد تفرق جمعنا وقد أخذنا نسب في بعضنا، ونشتم كبارنا ولا نرحم صغارنا، 
والكل يتوعد أخيه، والكل يجهز السلاح، ويستعد للضغط على الزناد ليميت أخيه، 
وكأن هذا جهاد لليهود، وكأن هذا جهاد للكافرين، 
أصبح الجهاد بين المسلمين والمسلمين، بين المؤمنين والمؤمنين، 
لا أتصور كيف لقلب خالط بشاشة الإيمان تطاوعه يده أن يمسك سكينا فيضرب به أهل الإيمان، أو يدوس على زناد فيقتل رجلا يصلي لرب العالمين،
 بحجة أنه على خلاف فيما بينه وبينه؟!!! 
أي خلاف هذا؟!! خلاف سياسي؟!! خلاف حتى ولو كان شرعي؟!! 
يجب أن تحتكم إلى من فوقك من الفقهاء،
وتذهبا سوياً إلى من هو أعلى منكما من العلماء ... 
لكن ما هكذا أمرنا الله ولا طلب منا رسول الله صلى الله عليه وسلم، 
قال صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا ساب أخاه ورد عليه: 
الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاذَيَانِ وَيَتَكَاذَبَانِ }
(مسند الإمام أحمد عن عياض بن حمار)
وقال في المؤمنين إذا رفع أحدهما السلاح على أخيه: 
{ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، 
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ }(سنن الترمذي والبيهقي)
لا ينبغي حتى لمسلم أن يقول كلمة لأخيه المؤمن يؤذيه بها، أو يعيبه بين الخلق بها، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
مَنْ أَشَاعَ عَلَى امْرِئٍ مُسْلِمٍ كَلِمَةَ بَاطِلٍ لِيُشِينَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، 
كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُذِيبَهُ بِهَا مِنَ النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِهَا }
(البخاري ومسلم وسنن أبي داود)
لأنه بقول كلمة يعلم علم اليقين أن أخاه بريء منها، 
ولكنها تهمة فاشية دفعته إليها النفس الإبليسية من أجل أن يسيء إلى أخيه بين الخلق، أو يشنع عليه بين الناس!!!
بئس هذه الصفات وبئس هذه الأخلاق،
فإن المؤمنين يقول فيهم سيد الأولين والآخرين: 
{مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِإِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى }
(صحيح مسلم عن النعمان بن بشير) 
نريد أن ترجع بيننا الألفة والمودة، أن تمتلئ قلوبنا بالحب لجميع الأحبة، 
أن تكون نياتنا كلها خالصة ومخلصة لله عزَّ وجلَّ، 
حتى يزيح الله عنا هذه الغمة، ويجمع شملنا، ولا يشمت الكافرين واليهود ومن عاونهم فينا، ويجعلنا في خير حال. 
آمين أمين يارب العالمين .. 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
-----------------------------------------

الجمعة، 30 أكتوبر 2015

المؤمن الصادق صورة الإسلام ورمزه

المؤمن الصادق رمز الإسلام
----------------------------
كان الرجلُ فيما مضى لو سأل عن الإسلام، يقولون له: أنظر إلى أي مسلم، 
في قوله لا يقول إلا الصدق، وفي فعله لا يفعل إلا ما يحبه الله، ولا يخلف وعد،
 ولا ينقض عهد،
ولا يخون أمانة،
ولا يتعرض لأي عمل يشينه لأنه يعلم أن الشين له شين لدينه،
 وإساءة لله ولكتابه ولحبيبه صلوات ربي وتسليماته عليه، 
فكانوا نموذجاً قويماً لهذا الدين، 
من أراد أن ينظر إلى تعامل المسلمين مع بعضهم، يأخذونه إلى السوق، 
فيجدون التجار لا يطففون الكيل ولا الميزان، ويعلنون عن العيب الموجود في السلعة،
 عملا بما أوصى به النبي العدنان، 
يبين التاجر العيب الذي في سلعته لأنه فطن إلى قول الحبيب:
{ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا }
(صحيح مسلم وابن حبان وسنن الترمذي وأبي داود)
ويريد أن يكون مع الذين قال فيهم الحبيب صلى الله عليه وسلم:
{ التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ }
(سنن الترمذي وابن ماجة) 

جمال أخلاق المؤمنين
------------------------------- 
- عجب الصليبيون والكافرون والمشركون من أخلاق المقاتلين الأشداء المسلمين في القتال، لا يقتلون امرأة ولا صبياً صغيراً، ولا شيخاً عجوزاً،
ولا رجل دين تفرغ لعبادة الله في صومعة، 
وإن كانوا لا يقرون ولا يعترفون بهذا الدين. 

الصليبيون عندما استولوا على بيت المقدس قتلوا في ساعة واحدة سبعين ألفاً من المسلمين، حتى صارت الدماء إلى الركب في شوارع بيت المقدس من كثرة القتلى، 
لكن صلاح الدين الأيوبي دخل بعدهم فاتحا وهو يمثل دين الله ويفعل ما يأمره به حبيب الله ومصطفاه، 
أبقى على الأسرى، فجاءه وفد من نساء الصليبيين، وقلن له: 
إنا نريد منك مكرمة، أن تفك أسر رجالنا ونأخذهم ونذهب إلى ديارنا،
 لأنا لا نستطيع أن نعيش من غيرهم. 
ففك أسر الصليبيين ابتغاء وجه الله، وإظهاراً لكمال أخلاق المسلمين،
 وإظهاراً لجمال دين الله عزَّ وجلَّ.

- كان قاضي المسلمين يأمر أمير المؤمنين أن يقف بجوار خصمه إذا اشتكى له خصم من المؤمنين، ولا يجلسه ولا يجامله،
 وإنما يحكم بالعدل، ليرى الناس جمال دين الله عزَّ وجلَّ.
** سقط من علي ابن أبي طالب رضى الله عنه درعه، وكان أميراً للمؤمنين،
 فوقع الدرع في يد يهودي، 
فوجده الإمام علي وقال: هذا درعي، قال: ليس درعك، فاشتكاه إلى قاض المسلمين، فوقف أمير المؤمنين بجوار اليهودي، 
قال القاضي لأمير المؤمنين:
 هل معك بينة على أن هذه الدرع درعك؟ 
هل معك شاهد؟ قال: يشهد لي ابني الحسن، قال: الإبن لا يشهد لأبيه، 
قال: يشهد خادمي، قال: الخادم لا يشهد لمخدومه، 
هل معك شاهد آخر؟ قال: لا، قال: الدرع درعك يا يهودي، 
فقال اليهودي: ما رأيت كاليوم، قاضي أمير المؤمنين ينصف اليهودي على أمير المؤمنين، 
إن هذه هي العدالة التي أتت بها شرائع السماء، 
أشهدكم أن هذه الدرع درع أمير المؤمنين،
وقد سقطت منه عندما كان ذاهبا ليصلي الفجر، فوجدتها وأخذتها،
ونطق بالشهادتين لما رأى من أخلاق المسلمين، 
فقال أمير المؤمنين: ما دمت قد أسلمت فالدرع هدية لك.
أدب الخلاف
--------------
كانت أخلاق المؤمنين مضرب المثل في كل زمان ومكان، لم يكن بينهم أحزاب ولا تحزبات، ولا سباب ولا شتائم ولا عصبيات، 
كانوا يختلفون والخلاف وارد، ولكنهم كانوا يقولون: الخلاف لا يفسد للود قضية.
** اختلف عبد الرحمن ابن عوف مع خالد ابن الوليد في رأي، والخلاف في الرأي وارد، والدين لا يجبر أحد على رأي غير ما يرضاه
ما دام هذا الرأي ليس في شرع الله، ولا في دين الله، 
فله حرية اختيار الرأي الذي يراه، بغير إكراه من أحد من خلق الله، 
فذهب رجل إلى خالد ابن الوليد وقال: أما سمعت ما قال في شأنك عبد الرحمن؟ قال: وما قال؟ قال: قال في شأنك كذا وكذا، قال: لا، إن ما ذكرت لا يوجد بيننا، 
فقد ربانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تتطاول الألسنة فيما بيننا على بعضنا.
يختلفون لكن لا يتسابون ولا يتشاتمون، ولا يشنعون على إخوانهم بما ليس فيهم، 
ولا يحاولون أن يظهرونهم بالوجه القبيح، لأنه مؤمن وأنت مؤمن،
 وهل مؤمن يقبح وجه أخيه المؤمن؟! 
وهل مؤمن يباح له أن يتعالى بالسباب أوالشتائم أو المخازي نحو أخيه المؤمن؟! 
إذا كان المؤمن يقول فيه النبي الكريم:
لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلا اللَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيءِ }
(سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد)
من يرى من أهل الغرب فضائياتنا، ومن هم منسوبون إلى العلم بيننا، 
وقد تعالت أصواتهم بالسباب والشتائم والتكفير لإخوانهم المسلمين، 
أتراهم بعد ذلك يشكرون في هذا الدين ويثنون على أهله؟! 

من ينزل منهم إلى سوق من أسواق المسلمين، وينظر إلى ما فيه من الأيمان الكاذبة، 
والكذب في الأقوال، والغش في البضاعة، والغش في الكيل والوزن، ماذا يقول؟! 
أهذه سوق للمسلمين أم سوق للمنافقين؟! 
إن أسواق المسلمين أسست على التقوى والورع، وأصحابها كلهم ورعون، عنوانهم:
خَيْرُ دِينِكُمُ الْوَرَعُ }
(المستدرك وسنن البيهقي)
وكان تجَّارُهم على هذه الشاكلة، 
قد يدافع المؤمنون عن قضيتهم ويقولون كان في العدالة عمر بن الخطاب، وكان في القيادة خالد بن الوليد، وكان في التجارة عبد الرحمن بن عوف، وكان في كذا فلان وفلان، 
أين هؤلاء الآن؟! أين أمثالهم يا أمة القرآن؟! أين الذين يسيرون على هديهم؟! 
أين الذين يمشون على أخلاقهم؟
أهؤلاء طالبهم الله عزَّ وجلَّ بالإلتزام بهذا الدين وتركنا نمشي على هوانا كما نحب ونبغي 
ونحن ننتسب إلى دين الله ونسمى عند الله مسلمين؟! 

    الأحد، 11 أكتوبر 2015

    لماذا نحتفي ببداية العام الهجري ؟

    نحن ندعو كل المسلمين إلى الإحتفاء بأول العام الهجرى لأن العام الهجرى أو العام القمرى - أيهما شئت - هو العام الذى اختاره رب العالمين وربط به شرعه فى كل وقت وحين،كما قال تعالى فى محكم التنزيل
    {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ
    يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} التوبة36
    هذا الكلام فى العام الهجرى فكل توقيتاتك وكل حساباتك فى تشريعاتك مرتبطة بهذا العام، الصيام مرتبط بشهر من أشهر التقويم الهجرى وهو شهر رمضان: {صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ}{1}
    والزكاة إذا كانت زكاة الأموال أو الذهب أو زكاة عروض التجارة التى تجب مرة كل عام هجرى فيجب حسابها عليه لا على العام الميلادى، لأنى لو حسبتها على العام الميلادى سأنكسر عند الله وأُصبح مديوناً، لأن العام الهجرى ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً والعام الميلادى ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً وربع، فإذا حسبت زكاتى على العام الميلادى فكل عدة سنين سينكسر علىَّ زكاة سنة لله لم أؤدها، ومن حرص الله على العام الهجرى انظروا معى: أهل الكهف كانوا من أتباع سيدنا عيسى - أى التقويم الميلادى - تَحَدَّث الله عنهم فماذا قال؟ 
    {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ} الكهف25
    ثم ذكر الهجرى: {وَازْدَادُوا تِسْعاً} الكهف25 
    حتى نعتز بتقويمنا الهجرى، نحن نذكر الميلادى فقط لابد من الإثنين معاً ، وبالحسابات الدقيقة فإن ثلاثمائة سنة شمسية هى ثلاثمائة وتسعة هجرية، وهذا إعجاز لرب البرية فى الآيات القرآنية، عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وستون سنة هجرية أى حوالى ستون سنة ميلادية،فكل الحسابات فى شرعنا بالتقويم الهجرى لأنه التقويم الإلهى الذى ارتبطت به كل الكائنات ، فالكائنات غير مرتبطة بالشمس بل بالقمر، والحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} البقرة197
    وهى شوال وذو القعدة وذو الحجة ويوم عرفة يوم التاسع من ذى الحجة ولا يجوز أن يتغيرلأن هذا تقويم الله، جعل الله كل هذه التوقيتات بالهجرى حتى يمر علينا رمضان كل ثلاث وثلاثون سنة فى كل الأزمان فى الحر والبرد والخريف ،


     والحج يأتى فى كل الأزمان لأن الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان فيكون الجو المناسب لأهل أى زمان ومكان يذهبون فيه لحج بيت الله الحرام، لكن لو كان فى الأيام الميلادية فإنه سيكون ميعاد ثابت جامد، سيكون رحيماً بقوم وقاسى على آخرين لكن شرع الله رحمة تامة للخلق أجمعين، جعل الله حتى تشريعات النساء بالتقويم الهجرى فدورة النساء تمشى مع دورة القمر إما ثمانى وعشرون يوماً أو تسع وعشرون أو ثلاثون ولا تزيد على ذلك 


    ولذلك من ضمن الأسرار التى نذكرها لمن يريدون الإنجاب أو تأخر عنهم الإنجاب، فنقول لهم: احسب أول يوم تجئ فيه الدورة للسيدات ثم احسب حتى ليلة أربع عشرة حيث تكون البويضة فى أكمل حالاتها وأتم هالتها كالقمر وتكون جاهزة للتلقيح، وللإحتياط يتم الحساب ليالى الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر حيث تكون البويضة جاهزة للتخصيب فى هذه الأيام ، حتى من يريد ألا يستخدم وسائل لمنع للحمل نقول له تجنب هذه الأيام فلا يحدث حمل، أسرار ربانية فى التشريعات الإلهية، ثم يأتى بعد ذلك عدة النساء وحمل النساء وولادة النساء
    كله على التقويم الهجرى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً} الأحقاف15
    الحمل تسعة أشهر هجرية: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} البقرة233 ، بالتقويم الهجرى 
    وعدة النساء إذا كانت عدة طلاق: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} البقرة228 ، قروء وليست أشهر، بعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاث حيضات وبعض الأئمة أخذوها على أنها ثلاثة طُهر المهم أن تأتيها الدورة ثلاث مرات، وإذا كانت عدة وفاة: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} البقرة234
    بالهجرى وليس بالميلادى، فكل حسابات الله حسابات قمرية لأن فيه أسرار إلهية لا يستطيع البشر اكتشافها إلا ما أباح المولى عز وجل لهم بشأنها
    {1} الصحيحين البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنهم


    منقول من كتاب {ثانى اثنين} لفضيلة الشيخ فوزي محمد أبوزيد

    كيف نستقبل العام الهجرى؟

    الثلاثاء، 15 سبتمبر 2015

    الاضحية شروطها وطريقة توزيعها

    أيام العمل الصالح العشر الأوائل من ذى الحجة


    أفضل الأيامأفضل الأيام
    سؤال: ما الآداب والسنن الواجبة على المسلم في العشر الأولى من ذي الحجة؟


    شهر ذو الحجة من الأشهر الحرم التي قال فيها الله عز وجل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً} التوبة36
    ما الواجب علينا في هذه الأشهر؟ {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} التوبة36
    هذه الأشهر حتى لا نحتار فيها بيَّنها لنا حضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ، مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ}{1}

    الواجب على المسلمين والمسلمات في هذه الأشهر عدم ظلم النفس، وهل الإنسان يظلم نفسه؟ نعم إذا خالف ربه، وإذا خالف نبيه، وإذا خالف كتاب الله، وإذا ظلم إخوانه المؤمنين، وإذا وقع في المعاصي، وإذا وقع في الغفلة، وإذا ترك نفسه للهو واللعب، وترك الإشتغال بطاعة الله وعبادة الله وذكر الله، كل هذه الأشياء يظلم الإنسان نفسه فيها.

    إذاً يبتعد الإنسان عن كل مسببات ظلم النفس في هذه الأشهر، بمعنى يحرص على طاعة الله، ويحرص على حسن المتابعة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرص على حسن التعامل مع جميع خلق الله، ويحرص على حفظ نفسه من الهفوات والغفلات والمعاصي والفتن ما ظهر منها وما بطن.

    بعد ذلك – وهذا هو الأدب الهام الذي وجَّه إليه القرآن – عليه بما ورد في السنَّة من صيام ما تيسر من هذه الأيام، وخاصة يوم عرفة، وعليه إحياء لياليها بذكر الله، قال صلى الله عليه وسلم في شأن هذه الأيام: {مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ}{2}

    انظر إلى قدر العمل الصالح في هذه الأيام، قدر عال جداً، ولذلك لا بد للإنسان أن يشتغل في هذه الأيام بذكر الله، وبعض الأئمة استدلوا على ذلك بقول الله: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} الحج28
    وقوله: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} البقرة203
    الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، أول وثاني وثالث ورابع أيام العيد، والتي نُكَبِّر فيها لله عز وجل.
    أما الأيام المعلومات: فقد قالوا هي أيام ذي الحجة، فهي أيام معلومة علَّمها الله، وجعل لمن يحييها علامة أن الله عز وجل يرضى عنه في الدنيا، ويُكرمه يوم لقياه عز وجل.


    {1} الصحيحين البخاري ومسلم وسنن أبي داود عن نقيع بن مسروح رضي الله عنه
    {2} صحيح البخاري وسنن الترمذي وأبي داود عن عبد الله بن العباس رضي الله عنهما 
    أفضل الأيامأفضل الأيام

    الأحد، 30 أغسطس 2015

    ورشة الإصلاح النبوية



    كلُّ من يقتنع بدخول الإسلام كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخله، وبعد نبذ الشرك وتثبيت عقيدة التوحيد والإيمان بالرسالة، تأتي الخطوة الثانية وهى بيت القصيد المنتج، التربية، وتبدأ بإصلاح القلب خطوة بعد خطوة: إذا كان القلب محتاجاً لجرعة قرآنية تطهِّره يطهِّره النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وعلاجه: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} الإنسان21

    فيتلو عليهم القرآن، ويشرح لهم معاني القرآن فيطهِّره الله بالقرآن ومعانى القرآن وأنوار القرآن. والذى ما زال عنده المرض شديداً، يأخذه النبى العدنان بالتؤدة والرحمة واللين إلى أن يجري له العملية الجراحية النورانية الإلهية التي يقول فيها ربُّ البرية في قوله الكريم: 
    {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} الحجر47
    فالذى يقابل أخاه يقابله بالسرور والإنشراح والإنفتاح والترحيب، وليس بالضغينة والحقد والنفور والإشمئزاز.
    فالتربية الإيمانية وإصلاح القلوب هى علاجات المصطفى ووظيفة أهل الصفا والوفا في كل زمان ومكان

    فعندما تنصلح القلوب تطهر الصدور وتمتلىء بالنور، ومن امتلأ صدره بالنور يكون بالنسبة لإخوانه المؤمنين كالميت، لا يغتاب أحداً، ولا يحسد أحداً، ولا يحقد على أحد، ولا في نفسه حاجة لما في يدِ أحدهم، وكأكمل الأحياء الذين يمشون بالنور فيما ينفع جميع إخوانهم .... لماذا؟ لأنه مات عن قبيح الأمراض وتخلص منها، وهو من قال فيه الله: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} الأنعام122
    أحياهم الله وصاروا يمشون بنوره عز وجل، وخذوا نموذجاً على ذلك:

    وصل بهم الحال لما تربوا على المائدة المحمدية وانصلحت قلوبهم أنه أرسل أحدهم رأس شاة مشويَّة لرجل فقير من إخوانه - فقير لكن قلبه غني وبالنور الذي فيه من الله كبير - فلم يسترها عن الجيران لكى لا يحسدونه، ولم يقل أغلقوا الباب جيداً حتى لا يأتينا أحد بغتة أو يسمع بنا أحد، بل قال لزوجته: يا أم فلان، أنا أرى أن أخي فلان وعياله هو أحوج إلى هذه الرأس منَّا، خذيها وأعطيها لهم، فأعطوها للثاني الذى فعل مثل الأول، وأعطاها الثاني للثالث

    ليس في قلوبهم مرض ولا غرض ولا عرض، وهو سرُّ تعبنا الآن، لكن عندما شُفِيَتْ الصدور كما رأيتم عندهم، اختلف الأمر وصار كلُّ واحد يؤثر أخاه بالخير، مع شدة حاجته وأهله وأولاده له، {فمرَّت الرأس على سبع منازل}{1}
    وقيل تسعة ورجعت للمنزل الأول مرَّة أخرى، وقيل: {فبعثوا به فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم}{2}

    هل تصدقون طاف الرأس ببيوت المدينة؟ كيف تربَّى هؤلاء؟ مم صيغت نفوسهم؟ ألم يستشرف واحدٌ منهم للرأس أو تمنعه زوجته أو يرق لصبيته وكلهم فقراء؟ إنها الرحلة العجيبة من الإيثار التي استحقت وسام الإبهار .. الذى يتلى آناء الليل وأطراف النهار، يُذَكر بأثر التربية الإيمانيَّة والأدوية المحمديَّة في أصحاب النبى المختار: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الحشر9

    وكان الإيثار يقع في الحرب، فيموت الثلاثة أو الأربعة لأن كلٌّ يؤثر صاحبه بشربة الماء بدلاً عنه إنه إيثار بالروح أيضاً. ولنطير إلى عصرنا الحالي وهاكم مثالاً عصرياً من بيننا اليوم:

    كلكم تعرفون جيداً عندما يبتلى أحدنا بواحد متخصِّص يغيظه ويضغط عليه حتى يكاد ينفجر في وجهه، فماذا سيحدث؟ الغيظ يوشك أن يترجم إلى حركات، وربما سُباب وربما يزداد المفعول ويتحول إلى ركلات وضربات، وربما يزيد أكثر فيتحول إلى أعيرة نارية أو غيره.

    ولكن إذا جلس هذا الرجل مع أحد من العلماء العاملين الحكماء من لديهم نورٌ من ربِّ السماء، ويعرفون كيف يعالجون هذا الإبتلاء أو ذاك البلاء، فيجلسون ليحدثوه ويرققوه ويواسوه ماذا يحدث يا إخواني؟ يقوم من بينهم وقد ارتاح فؤاده، وذهب غيظه، وشفى داؤه ومرضه بأى دواء؟ بالدواء الذي يحتاج إلى نور حضرة العزيز الغفور عز وجل: {قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} يونس57

    فالموعظة جاءت من العالم الصالح أو الرجل المصلح وجاء معها الشفاء لما في الصدر وأذهب الله بها الغيظ، ألا يبين لكم هذا بسهولة ويسر فعل العلماء المصلحين وأثر الإصلاح في الأفراد.

    ومثال ثالث لتتلمسوا حاجتنا لصلاح القلب بوضوح فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ربَّاهم صلى الله عليه وسلم على هذه الفضائل، وعلى هذه الصفات العالية، وكان لكل واحد معرفة بنفسه ويقيس حاله ويذهب لرسول الله لطلب الدواء القلبى ويسأل إخوانه ليبصرونه بعيوبه، هذا ما كانوا عليه.

    والمثل هو لو أن الواحد فينا الآن لو رأسه آلمته يسارع إلى الطبيب، وإذا لم يجد علاجاً في بلده يسافر للقاهرة وإذا لم يجد في القاهرة، يسافر إلى الخارج، لأن رأسه توجعه ويحتاج لعلاج لها، هذا حسن ولكن عندما يصلي لا يدرى ماذا يقول وليس عنده خشوع أو حضور في الصلاة، ولا يسأل، هل هذا يصح أن يترك قلبه مريضاً هكذا؟ ألا يطلب له الدواء؟ المطلوب أن تعالج نفسك من مرض الشرود في الصلاة، لتكون من الذين أثنى عليهم الله، وقال في حقِّهم في كتاب الله: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ{1} الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ{2} {1-2المؤمنون}

    فهذه أمثلة ثلاثة مختلفة سقناها لبيان وظيفة وصناعة الإصلاح التي يقوم بها النبيون ومن بعدهم العلماء العاملون، ودعونا نلخص العبرة:

    من حلَّ مشاكل هؤلاء الفقراء في المدينة حتى آثر كل واحد أخاه بالرأس وهو في شديد الحاجة لها؟ ما الذي سدَّ فاقتهم وهي على أشدها؟ إنما هو صلاح قلوبهم ووسعة صدورهم، وشفاؤهم من أمراض الأثرة والأنانية والأحقاد والأحساد والغلُّ والشُّحّ والطمع والحرص والبخل، وما شابه ذلك وهى الأمراض التى تدمر كل بلد وواد.

    وفي المثال الثاني من الذى منع الشخص الحانق من أن يتطور غيظه إلى فعل مدمر أو عمل مؤسف؟ قد يجر عليه العواقب، ومعظم النار من مستصغر الشرر، إنه برد نصيحة العالم الرباني العارف بأمراض النفوس نزل على حرِّ غيظ نفسه فبردها وطيَّبها، بل وربما التمس العذر لأخيه. ومن الذي يعالج القلب في المثال الثالث من غفلته وقسوته حتى إذا دخل في الصلاة لم يشرد من بين يدى الله؟ بل يعلم أمام من هو واقف فيتصل بالله ويصير كلما دعاه أجابه ولبَّاه.

    إنه علاج القلوب الذى لا يوجد في صيدليات ظاهرة ولكنها أدوية ربانيَّة يصرفها ويعرفها النبيون ومن بعدهم العلماء العاملون الذين معهم أسرار العلاج الناجع ومعهم الترخيص الرسمى بذلك كما قال تعالى:
     {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} الإسراء82
    لم يقل: (أنزلنا)، بل قال: {وَنُنَزِّلُ} بالمضارع المستمر، أى: يتنزل باستمرار على قلوب العلماء والصالحين ما به يشفون المرضى من هذه الأمراض التي هى سبب كل بلاء ينزل في الأرض أو يهبط على أهلها من السماء، فيصلحونهم، نعم إنها التربية الإيمانية في ورشة الإصلاح النبوية


    {1} أخرجه الحاكم وصححه. وابن مردويه. والبيهقي في «الشعب» عن ابن عمر رضي الله عنهما ( نقلناه بالمعنى).
    {2} مصنف ابن أبي شيبة

    السبت، 29 أغسطس 2015

    مقارنة بين المجتمع الغربي والمجتمع في صدر الإسلام



    أهل الغرب من كثرة الخيرات عندهم يَرْمُونَها في المحيطات، يحسب تجار الزبد في فرنسا وهولندا تكاليف تخزين الزبد، فيجدون أنهم سيخسرون بتخزينها، فيلقونها في البحر حتى يرفعوا السعر بتقليل المعروض منها، فلتأكل الأسماك ولا يهم إن تضور البشر جوعاً لتزيد الأرباح

    وهم بلاد لا توجد عندهم مشاكل كمشاكلنا، فالبطالة محدودة ومن لا يعملون يستلمون إعانات كافية وتفرش بيوتهم، والعمل المضني يأخذون له من عندنا العمال بالبخس، ولا توجد أزمات سكن أو زواج أو مواصلات، فالخيرات متوفرة، فكل خيرات الدنيا عجَّلها الله لهم:
     {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} الأحقاف20

    ولكن لفساد قلوبهم، هناك ضِيقٌ في الصدور، وهناك شُحٌّ وأثرة وأنانية في القلوب وخصال ذميمة – أَمَرَ بِنَحْرِهَا والقضاء عليها علاَّم الغيوب- ولذلك نجد حياتهم كلها نكد في نكد، ولا يظن أحدٌ أن حياتهم فيها سعادة لما يبدو من ظاهرها لعينه، لأن الله قال فيها:
     {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً}طه124
    فمعيشته تكون ضنكاً على الدوام ولذا تجدهم وإن كانوا متفوقين في أموال البنوك وفي المظاهر الحياتية الحسيَّة الظاهرة إلا أنَّ عندهم :

    أكبر نسبة من المصابين بأمراض نفسية وعصبية وأكبر نسبة من حوادث الإنتحار وأكبر نسبة من عقوق الأرحام والأقارب وأكبر نسبة من حوداث الإغتصاب مع الإباحية الموجودة وأعلى نسب الأمراض الجنسية على الرغم من رقى ثقافتهم الجنسية كما يدَّعون وبرغم التطور الطبي والعلمي الهائل وأعلى نسب من حوادث القتل الفردي والإغتيالات وأقل نسبة من الأمان في الشوارع وبالذات للنساء

    وأشياء أخرى كثيرة لا تحصى، ولكن ماسبق يكفي، وكلُّ هذا على الرغم من أن الخير عندهم في الجيوب موجود لكن الخُلُق في القلوب مفقود، السخاء والجود والإخاء والحب والحياء وهو الأساس الذى يتحكم في خيرات الوجود كلها، كلُّ هذا وأكثر غير موجود،
    فهل رأيتم حالهم هل هذا ما نريده؟ أو ما نصبو إليه؟

    وهنا أنظر بالمقابل إلى أصحاب حضرة النَّبىِّ صلى الله عليه وسلم لتعرف تأثير صلاح القلب بالتربية الإيمانية في إصلاح الفرد ثم في صلاح المجتمع، كان الخير في المدينة قليلاً، والخلق والإحتياجات كثيرة، ماذا فعل صلى الله عليه وسلم؟ ظلَّ صلى الله عليه وسلم يُوَسِّعُ في الصدور، ويداويها بمراهم القرآن وفيتامينات النُّور إلى أن أصبحت هذه الصدور كما يقول العزيز الغفور:
    {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر9

    فلم تعد هناك مشاكل بينهم، لأن الوسعة ليست وسعة الأقوات والأرزاق وإنما الوسعة التى ينشدها المصلحون والنبيون وسعة القلوب ووسعة الأخلاق وهى التى تتغلب حقيقة على ضيق الأقوات والأرزاق، فالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من النبيين اختارتهم العناية الإلهية وأعطتهم المراهم الربانية، والأنوار الإلهية، والأشفية الربانية، التي يعالجون بها في مصحَّاتهم قلوب إخوانهم وصدور الملتزمين بشرعهم ودينهم وكذلك فعل العلماء العاملين والعارفين والصالحين إلى يوم الدين.

    فهل استوعبنا المقارنة بين حالى المجتمع إذا صلحت قلوب أفراده حتى لو رقَّ حالهم؟ وما إذا فسدت قلوبهم حتى لو رقى حالهم؟

    تلك هى خطوة الإصلاح الأولى التى ينبغى التحرك إليها حثيثاً في التوِّ، لأنَّ ما صرنا إليه اليوم في مجتمعاتنا هو أمر غنىٌّ عن التعليق، فمجتمعاتنا تقطَّعت الأواصر والصلات بين أهلها وتفسخت علاقاتهم فهل يصحُّ أن يكون هذا حال مجتمع المسلمين؟ القائمين على دين الإسلام بين العالمين، هل نستمر على ما نحن فيه؟ أم ننشد التربية الإيمانية والإصلاح والتغيير والصلاح؟ فلننشد الإصلاح.

    الثلاثاء، 25 أغسطس 2015

    جوهر وثمرة العبادات الإسلامية

    الإسلام دين يرسي القيم الفاضلة، وهي أحرص ما يحرص عليه الإسلام، فليس الإسلام دين شعارات، ولا عبادات مبتورة عن الأخلاق والمعاملات، وإنما هو دينٌ متكاملٌ يكمِّل بعضه بعضاً، فإذا كان الإنسان يحافظ على الفرائض في وقتها، لكن لا يراعي قيم الإسلام في تعامله مع الخلق،
    فدينه فيه نقص، وعبادته لم تحقق غايتها،
    وهذا نسميه التدين المنقوص، أى غير كامل.
    فالإسلام كُلٌ متكامل، فيطلب من المؤمن أن يعطي الله حقَّه، ويعطي لجسمه حقَّه، ويعطي لأهله حقَّهم، ويعطي لمجتمعه حقَّه، ويعطي لذوي رحمه حقَّهم، ويعطي لأصدقائه حقَّهم، ويعطي للكبير حقَّهُ وللصغير حقَّه، ويقوم بكل الحقوق التي أوجبها عليه الدين، كما أمر الله ووضَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل تلك الحقوق تندرج تحت أصناف العبادات والطاعات والقربات وعندها نقول أنه صالحٌ، أى انصلحت أخلاقه بالعبادات والقربات التى أثمرت فيه وجعلته صالحا للتعامل مع من سواه من خلق الله

    ولذلك قبل الدخول في تفاصيل ووسائل التربية والتهذيب وإصلاح القلوب، وما يستتبعه ذلك من المجاهدات والأعمال الصالحات والطاعات والعبادات ... يجب أن نقف وقفة حاسمة نتعلم فيها بوضوح .. ما الغاية والهدف من الطاعات؟ وأين نضع أعيننا ونحن نقوم بها؟

    وبدون أن نفهم ونستوعب إجابة هذا السؤال .. لن نستفيد حقاً من الطاعات، بل قد تكون باباً للإغترار، لأن من تحلوا بمكارم الطاعات لا يغتروا في أنفسهم إن عرفوا أن الفضل فضل الله، والتوفيق في كل عمل إنما هو لله ومن الله، وإن أحسنوا في معاملة إخوانهم فترفعوا عن التشبه بهم في سفاسف الأخلاق أو سيىء المعاملات، فصاروا بعد ذلك أهلاً لأن يخصَّهم الله بشريف العبادات: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} الفرقان64

    وهذا ما تؤكده السُّنة، فقد قالوا {يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةً تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلاَنَةً تُصَلي المَكْتُوبَةَ، وَتَصَّدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأُقْطِ (القليل جداً)، وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ}{1}
    فالأولى فى النار مع أنها عبدت ربها بالصيام والصلاة إلا أنَّها لم تصل إلى ثمرة الطاعة وهى إحسانِها إلى بني جنسها وأهل مجتمعها، فإن طاعة الله المستقيمة - إذا كانت قويمة - كانت ثمرتُها ونتيجتُها أخلاقاً مستقيمة، وأحوالاً قويمة، تظهر في سلوكيات الطائعين، والقانتين والعابدين والذاكرين والحامدين لله، والثانية نفلها قليل ولكن طاعتها أثمرت خلقا حسناً.

    ولذلك قال ربُّ العزَّة عزَّ شأنه مبيِّناً ومشيراً إلى بعض حكم الصلاة وهي أعظم العبادات الإسلامية: {الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} العنكبوت45
    ويبين هذه الآية النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه فيقول: 
    {من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له}{2}

    ويبيِّن الله الهدف من الصيام فيقول جلَّ شأنه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} البقرة183
    ويوضح هذه التقوى وخصوصيتها النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: {الصومُ جُنَّةٌ ـ أى وقاية ـ فَإذَا كَانَ يومُ صُومُ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ يومئذٍ ولا يَصخَبْ، فَإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِمٌ إنِّي امرؤٌ صائِمٌ}

    ويبين الله كذلك هدفاً سامياً من أهداف فريضة الحجِّ، مطالباً عبادة المؤمنين بالتمسك به عند أداء فريضة الحجِّ، فقال جلَّ شأنه: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} البقرة197
    وكلها أخلاق نهى عنها الكريم الخلاق.
    فالأخلاق هى لُبُّ وجوهر العبادات الإسلامية، بل هي الثمرة للمجتمع وللمحيطين بالإنسان الذين يرون فيه حُسْنَ تديُّنه وجمال طاعته وتأدبه بآداب الله.


    {1} عن أَبي هُريرةَ المستدرك على الصحيحين.
    {2} رواه الطبرانى فى الكبير عن ابن عباس
    {3} رواه البخاري ومسلم عن أبي جريج، وأحمد والبيهقي والنسائي عن أبي هريرة.




    رد مع اقتباس