القائمة الرئيسية

الصفحات

آخر الأخبار [LastPost]

بعد أن مرَّ علينا شهر رمضان مرور الكرام، واغتنمنا فيه بضل الله عزَّ وجلَّ الطاعات والخيرات العظام، ينبغي على كلِّ مؤمن بعد رمضان أن يتدبر في أمر نفسه؛ هل تقبل الله منه صيامه وقيامه، وتلاوته للقرآن، وأعماله التي عملها لله عزَّ وجلَّ؟
وممن يتقبل الله؟
(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (27المائدة)
إذا قبل الله عمله فيا هناه، ويا فرحته في الدنيا ويا سعادته يوم لقاء الله، لأنه يكون من المتقين حقًّا كما ذكر كتاب الله جلَّ في علاه.
وما العلامات التي نعلم أن الله عزَّ وجلَّ تقبل منا بها صيامنا وقيامنا وأعمالنا كلها في شهر رمضان؟
علامات كثيرة لا يسع الوقت لعدِّها فضلاً عن شرخها وبيانها، واكتفي بعلامة واحدة؛ هي الأساس الأول في قبول العبادات، وهي التي لو قمنا بها لصلح حالنا كلنا أفراداً وجماعات.
أول علامات القبول: أن الإنسان يخرج من شهر رمضان وقد جدَّد مع الله عزَّ وجلَّ العهد والإيمان، وأصبح يسيطر سيطرة كاملة على فلتات اللسان، فلا يخرج منه قولٌ إلاَّ ويرضي به مولاه. لا يخرج منه قول يؤذي به أحداً من عباد الله، أو يسبب له ضيقاً أو همًّا أو غمًّا أو كرباً في هذه الحياة، لأن لسان المؤمن يخرج من رمضان على حال من الحالات التي ذكرها القرآن:
أقل المؤمنين الذي يتقبل الله أعمالهم يخرج بعد رمضان وقد انطبع بقول الله في القرآن:
(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
(3المؤمنون)
فلا يخرج منه كلام فيه لغو؛ واللغو هو الكلام الذي لا يفيد المرء في دنياه، ولا ينفعه في آخراه، نسميه في لغتنا الدارجة: (التسالي)، تعالوا نتسلى مع بعض، ونتكلم مع بعض.
لو كان هذا التسالي فيه غيبة أو نميمة، أو سب أو شتم، هذه قضايا، وكل قضية منها ينصب لها الميزان، ويحاكم المرء فيها أمام الواحد الديان، والشهود عليه جوارحه واللسان، والخصوم هم الذين تقوَّل في حقهم من بني الإنسان.
والله عزَّ وجلَّ آلى على نفسه أن لا يبخس نفساً شيئاً
(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ)
(44الكهف)
فالمؤمن إذا تسلى في غير رمضان فهذا دليل على أن استفادته من الصيام كانت استفادة قليلة. اللسان الذي كان يقرأ به القرآن، والذي كان يوالي به ذكر حضرة الرحمن، والذي كان يكفُّه عن السوء والمعاصي في شهر رمضان، والذي كان يعمل فيه بروشتة أهل الإيمان التي وصفه لهم النبي العدنان:
(إذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث) – والرفث الكلام عن النساء أو مع النساء – ولا يصخب - ولا يسب ولا يشتم – وإن أحدٌ سابه أو شاتمه فليقل إني امرؤ صائم)(1).
الرتبة الأعلى من ذلك؛ أن يدخل في قول الله:
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
(83البقرة)
لا يخرج من لسانه إلاَّ الكلام الحسن الذي يسرُّ البال، والذي يشرح الصدر، والذي يجعل المرء الذي يستمع إليه يبتهج به ويودُّ الاستزادة من سماع لذيذ حديثه، ولا يريد أن يغادر مجلسه لأنه يسمع منه قولاً حسناً؛ لا يسمع فيه غيبة ولا نميمة، ولا قدحاً ولا ذمًّا ولا سوءً، وإنما يسمع منه الكلام الذي ينفعه في الدنيا ويرفعه يوم العرض والزحام.
الدرجة الأعلى من ذلك؛ أن يصل إلى قول الله:
(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ)
(24الحج)
يوصي الناس بما ينفعهم، ويشجعهم ويثني عليهم بالعمل الصالح الذي قدموه، ويحاول دائماً وأبداً أن يحثهم على فعل الخيرات، وأن ينهاهم عن المنكرات، وأن يجعلهم دوماً يعملون الصالحات، فيكونون كما قال صلى الله عليه وسلم:
(خير الناس أنفعهم للناس)(2)
فينفع الناس بقوله؛ إن كان مريضاً خفَّف عنه، وإن كان صاحب مصاب كلَّمه بكلام يلطف به، وإن كان مهموماً كلَّمه بكلام يفرِّج همَّه، وإن كان مكروباً كلَّمه بكلام يدله به على تفريج كربه إذا فعله؛ وهذا هو منهج المؤمنين أجمعين.
أما الذي خرج من رمضان وأباح للسان السوء مع بني الإنسان، فهو - إن كان جالساً في أيِّ مكان، أو ماشياً في أي موضع أو زمان - لا يكفُّ عن الغيبة والنميمة والسب والشتم واللعن والكلام الذي يؤذي الآدميين، فهذا نسي قول ربِّ العالمين:
(مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (18ق)
وهذا يقول فيه صلى الله عليه وسلم:
(أتدرون من المفلس من أمتي يوم القيامة؟ قالوا: المفلس منا من لا درهم له ولا دينار. قال: المفلس من أمتي من أتى بصلاة وصيام وصدقة وحج، لكنه شتم هذا، وضرب هذا، وسفك دم هذا، واغتاب هذا، فيأخذ هذا من حسناته، مهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح به في النار)(3)
المؤمن بعد رمضان يخرج من هذه الورشة الإلهية وقد أصبحت فرامل اللسان على طبق ووفق الحقيقة المحمدية. أصبح وكأنه المعنيُّ بحديث حضرة النبي:
(رحم الله عبداً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم)(4)
إما أن يقول خيراً، وإما أن يسكت حتى لا يقع في شرٍّ – إن كان يشعر أو لا يشعر. قيل: (يا رسول الله، أي الإسلام خير؟) - وفي رواية: (أيُّ المسلمين خير؟)، قال:
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)(5)
سلم المسلمون من لسانه؛ فلا يؤذيهم بهذا اللسان بلفظة نابية، أو بكلمة جافيةأ أو سبة أو شتيمة خافضة أو عالية. وسلم المسلمون من يده؛ فلا يكتب بيده ما يسئ إلى المسلمين، ولا يضر الآمنين، ولا يسبب أذى لجميع المسلمين، فإن الله عزَّ وجلَّ لا يحب الأذى لعباده المؤمنين. قال صلى الله عليه وسلم:
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)
للمزيد اضغط الرابط :

reaction:

تعليقات